القرطبي
71
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
إلا ما رواه يحيى بن أيوب عن ابن جريج عن عطاء وعمرو بن دينار أنهما سئلا عن نكاح الإماء المجوسيات ، فقالا : لا بأس بذلك . وتأولا قول الله عز وجل : " ولا تنكحوا المشركات " . فهذا عندهما . على عقد النكاح لا على الأمة المشتراة ، واحتجا بسبي أوطاس ، وأن الصحابة نكحوا الإماء منهن بملك اليمين . قال النحاس : وهذا قول شاذ ، أما سبى أوطاس فقد يجوز أن يكون الإماء أسلمن فجاز نكاحهن ، وأما الاحتجاج بقوله تعالى : " ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن " فغلط ، لأنهم حملوا النكاح على العقد ، والنكاح في اللغة يقع على العقد وعلى الوطئ ، فلما قال : " ولا تنكحوا المشركات " حرم كل نكاح يقع على المشركات من نكاح ووطئ . وقال أبو عمر بن عبد البر : وقال الأوزاعي : سألت الزهري عن الرجل يشترى المجوسية أيطؤها ؟ فقال : إذا شهدت أن لا إله إلا الله وطئها . وعن يونس عن ابن شهاب قال : لا يحل له أن يطأها حتى تسلم . قال أبو عمر : قول ابن شهاب لا يحل له أن يطأها حتى تسلم هذا - وهو أعلم الناس بالمغازي والسير - دليل على فساد قول من زعم أن سبى أوطاس وطئن ولم يسلمن . روى ذلك عن طائفة منهم عطاء وعمرو بن دينار قالا : لا بأس بوطئ المجوسية ، وهذا لم يلتفت إليه أحد من الفقهاء بالأمصار . وقد جاء عن الحسن البصري - وهو ممن لم يكن غزوه ولا غزو [ أهل ( 1 ) ] ناحيته إلا الفرس وما وراءهم من خراسان ، وليس منهم أحد أهل كتاب - ما يبين لك كيف كانت السيرة في نسائهم إذا سبين ، قال : أخبرنا عبد الله بن محمد بن أسد ، قال : حدثنا إبراهيم بن أحمد بن فراس ، قال : حدثنا علي بن عبد العزيز ، قال : حدثنا أبو عبيد ، قال : حدثنا هشام عن يونس عن الحسن ، قال قال رجل له : يا أبا سعيد كيف كنتم تصنعون إذا سبيتموهن ؟ قال : كنا نوجهها إلى القبلة ونأمرها أن تسلم وتشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، ثم نأمرها أن تغتسل ، وإذا أراد صاحبها أن يصيبها لم يصبها حتى يستبرئها . وعلى هذا تأويل جماعة العلماء في قول الله تعالى : " ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن " . أنهن الوثنيات والمجوسيات ، لان الله تعالى قد أحل الكتابيات بقوله : " والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم " يعنى العفائف ، لا من شهر زناها من
--> ( 1 ) الزيادة من الاستذكار لابن عبد البر .